مجمع البحوث الاسلامية
592
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حلالا بتحليل اللّه ، وذلك أنّ الصّيد على قسمين حلال وحرام ، ولا يختصّ الصّيد في لغة العرب بالحلال ، ألا ترى أنّ قول بعضهم : إنّه ليصيد الأرانب حتّى الثّعالب ، لكنّه يختصّ به شرعا ، وقد تجوّزت العرب فأطلقت الصّيد على ما لا يوصف بحلّ ولا حرمة . [ ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال : ] وإذا تقرّر أنّ الصّيد يوصف بكونه محلّا باعتبار أحد الوجهين المذكورين ، من كونه بلغ الحلّ أو صار ذا حلّ ، اتّضح كونه استثناء من استثناء ، إذ لا يمكن ذلك لتناقض الحكم ، لأنّ المستثنى من المحلّل محرّم والمستثنى من المحرّم محلّل بل إن كان المعنى بقوله : بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ الأنعام أنفسها فيكون استثناء منقطعا ، وإن كان المراد الظّباء وبقر الوحش وحمره ونحوها ، فيكون استثناء متّصلا على أحد تفسيري ( المحلّ ) استثنى الصّيد الّذي بلغ الحلّ في حال كونهم محرمين . فإن قلت : ما فائدة الاستثناء بقيد بلوغ الحلّ والصّيد الّذي في الحرم لا يحلّ أيضا ؟ قلت : الصّيد الّذي في الحرم لا يحلّ للمحرم ولا لغير المحرم ، وإنّما يحلّ لغير المحرم الصّيد الّذي في الحلّ ، فنبّه بأنّه إذا كان الصّيد الّذي في الحلّ يحرم على المحرم وإن كان حلالا لغيره ، فأحرى أن يحرم عليه الصّيد الّذي هو بالحرم . وعلى هذا التّفسير يكون قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إن كان المراد به ما جاء بعده من قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الآية استثناء منقطعا ؛ إذ لا يختصّ الميتة وما ذكر معها بالظّباء وحمر الوحش وبقره ونحوها ، فيصير لكن ما يتلى عليكم أي تحريمه ، فهو محرّم . وإن كان المراد ببهيمة الأنعام : الأنعام والوحوش ، فيكون الاستثنا آن راجعين إلى المجموع على التّفصيل ، فيرجع إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إلى ثمانية الأزواج ويرجع غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ إلى الوحوش ؛ إذ لا يمكن أن يكون الثّاني استثناء من الاستثناء الأوّل ، وإذا لم يمكن ذلك وأمكن رجوعه إلى الأوّل بوجه ما جاز . وقد نصّ النّحويّون على أنّه إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض ، كانت كلّها مستثنيات من الاسم الأوّل ، نحو قولك : قام القوم إلّا زيدا إلّا عمرا إلّا بكرا . فإن قلت : ما ذكرته من هذا التّخريج الغريب ، وهو أن يكون المحلّ من صفة الصّيد لا من صفة النّاس ، ولا من صفة الفاعل المحذوف يعكر عليه كونه كتب في رقم المصحف بالياء ، فدلّ ذلك على أنّه من صفات النّاس ؛ إذ لو كان من صفة الصّيد لم يكتب بالياء ، وبكون الفرّاء وأصحابه وقفوا عليه بالياء يأبى ذلك . قلت : لا يعكر على هذا التّخريج ، لأنّهم كتبوا كثيرا رسم المصحف على ما يخالف النّطق ، نحو ( باييد ) بياءين بعد الألف ، وكتبهم ( أولئك ) بواو بعد الألف وبنقصهم منه ألفا ، وكتابتهم ( الصّلحت ) ونحوه بإسقاط الألفين ، وهذا كثير في الرّسم ، وأمّا وقفهم عليه بالياء فلا يجوز ، لأنّه لا يوقف على المضاف دون المضاف إليه ، وإنّما قصدوا بذلك الاختبار أو ينقطع النّفس ، فوقفوا على الرّسم كما وقفوا على سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ العلق : 18 ،